إن تدبر القرآن الكريم هو أمر واجب على كل من يحمل عقلا يفكر به حسب ما يسمح به ظرفه وما يتيسر له من وقت فالقرآن ليس حكراً على أحد وهو كتاب أنزله الله لكل البشر وليس لفئة محددة من العلماء والمختصين; لذلك أدعو جميع إخوتي وأخواتي من القراء أن يعطوا شيئاً من وقتهم لتأمل آيات القرآن وأن يقدموا شيئاً لهذا القرآن أقل ما يمكن أن نتدبر القرآن عسى الله أن يرحمنا و أن يجعله شفيعا لنا يوم القيامة يوم يفر المرء من أقرب الناس إليه; فكل من لا يتدبر القرآن الكريم قلبه مقفل لا يدخله نور الإيمان ولو كان يظن نفسه أنه مؤمن ومن لم يصدق هذا الكلام ليقرأ قوله تبارك وتعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: 24] ;هذه وجهة نظر نقدمها للقراء للمناقشة وإبداء آرائهم ونحب من قرائنا أن يتفاعلوا معنا في مثل هذه المواضيع بهدف زيادة الإيمان ولكل من لديه علم ألا يبخل علينا به بشرط أن يكون منطقيا و موافق للقرآن ولا يجب علينا نحن كمسلمين أن نجلس و ننتظر من اليهود و النصارى أن يكشفوا لنا الحقائق والمعلومات وخصوصا نحن لدينا القرآن الذي تكفل الله تعالى بحفظه . ...................................................................................................................
ما هو الفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْوَفَاة؟
ارتأيت في هذا المقال بيان أوجه الاختلاف بين مفردتي (الموت) و (الوفاة) و رفع اللبس والغموض بما لا يعارض أو يناقض النص القرآني ويتفق مع مواضع المفردتين في القرآن الكريم .
وسأبدأ بتعريف المفردتين ثم اعرض التعريف على آيات القرآن لتلمس اتساق المفردة مع المعنى:
المَوْت : انْتِزَاعُ رُوْحُ الْكَائِنِ الْحَيِّ مِنْ جَسَدِهْ ( أي خروج الروح و النفس معا من الجسد ) فَيَتَوَقَّفُ الدَّمُ عَنِ الجَرَيانِ فِيْ أعْضَائِهِ،وتَجُوْزُ المَوْت عَلَى كُلِّ حَيِّ بَشَراً كَانَ أوْ سِوَاهْ.
الوَفَاةْ : انْقِطَاعُ العَمَل لِلْمُكلَّفِ واسْتيْفَاءُ مَا سَلَفَ مِنْه بِخُرُوْجِ النَّفْس ( خروج النفس دون الروح من الجسد مؤقتا أو نهائيا )، وَلاَ تَكُوْنُ الوَفَاةُ إلاَّ لِلمُكَلَّفِيْنْ.
وكل كائن حي تجري فيه الروح من البشر والدواب والشجر يموت وتبلى أعضاؤه ، ولكن لا تطلق الوفاة إلا على المكلفين من الخلق ولم يعرف إطلاقها إلا على البشر ، فلا تطلق مفردة "الوفاة" على الحيوان لأنه لا يجري عليه القلم ، ولا تطلق مفردة الوفاة على النبات أيضاً وقد تخبط بعض الفقهاء و المفكرون الاسلاميون إلى أن الحيوان و النبات ليست فيه الروح و إنما توجد فيه النفس واعتمدوا في ذلك على أن البشر هو المخلوق الوحيد الذي فيه من الروح لقوله تعالى [ ونفخ فيه من روحه ] ولم يبرهنوا أن الحيوان و النبات فيه نفس ولو أنهم تدبروا آيات الله بالعقل لوجدوا أن نظريتهم خاطئة بالرجوع إلى قوله تعالى [ ونفس وما سواها فألهمها فجورها و تقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ] فإذا كان الحيوان و النبات فيه نفس هل يمكن اسقاط هذه الآية عليه و هل يملك الحيوان و النبات العقل حتى يميز ما يزكي أو ما يدس النفس وإذا كان للحيوان والنبات نفس فلماذا لم يذكرهم الله تعالى في هذه الآية [ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ] ونعلم أن الحيوان و النبات ليس من الناس أو لم يقل كأنما قتل الناس و الحيوان و النبات جميعا.
و أنا حسب رأيي و الله أعلم بعد تدبر آيات الله تعالى أن الحيوان و النبات توجد فيه الروح ولا توجد فيه النفس لأن النبات و الحيوان ينمو و يكبر و يتحرك هذا يقتضي توفر الخلايا و الطاقة لاستمرارها ( أي القوة التي تحافظ على هذه الاستمرارية كما رأينا في موضوع الفرق بين الروح و النفس ) بدليل أنه من المعجزات التي أعطاها الله تعالى لعيسى عليه السلام أنه كان ينفخ في الطين كهيئة الطير بالروح فيكون طائرا بإذن الله فلولا لم تكن في الطير روح فما ذكرت هذه الآية لقوله تعالى في سورة المائدة ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طائرا بإذني ) والنفخ في القرآن جاء مقرونا مع الروح.
وكل مُتَوَفَّى لا يشترط أن يكون ميِّتاً ولكنَّ كل ميِّتٍ هُوَ بالضرورة مُتوفّى بمعنى أن الله استوفى عمله وأوقف القلم عن الجريان بحسناته وسيئاته ، وكل من توقف القلم عن الجريان عليه بعمله فهو في حكم " المتوفَّى" ، فإن عاد إليه وَعْيهُ وتَمَلّكَ إرادته وتمييزهُ عاد إليه القلم يجري بعمله ويدون خيره وشره، ومن يفقد عقله بعد البلوغ فقد استوفى الله عمله وأوقف القلم عن الجريان بسيئاته وحسناته فإن كُتِبَ أن يفيق فيعود إليه عقله عاد القلم ليجري بتدوين عمله.
ومن خلال الآيات الكريمة فالنفس شيء والروح شيء آخر ، فخروج الروح من الجسد هو الموت لتوقف القلب وبرودة الجسد وفساد أعضاءه ، ولكن خروج النفس ليس موتاً بل وفاة واستيفاء للعمل وتوقفٌ عن حساب الأعمال ماعدا تلك المعلقة التي لم يكملها حال حياته فتستوفى ما علق لها من عمل حسن أو سيء فيعطى أجر عمله وافيا كاملا غير منقوص.
ولعلنا نجد أن الروح مرتبطة بالجسد الدنيوي نفخت فيه لتحيي أعضاءه وتبث الحياة فيها ولكن النفس موجودة منذ خلق الله آدم فالأنفس موجودة قبل نفخ الروح فيقول ربنا جلت قدرته : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]
يقول جل من قائل: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9) فالروح وجدت بعد النفس وتنفخ في الجسد الدنيوي لتبعث فيه الحرارة والحركة والحياة وتنزع من الجسد الدنيوي ليؤول إلى الموت.
النَّومُ وَالوَفَاةْ : ولعل أهم آية الذكر الحكيم التي تشرح لنا طبيعة الموت والوفاة وعلاقتها بالنوم هي في سورة الزمر إذ يقول ربنا جلت قدرته: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر:42] فيخبرنا ربنا بجلاء عن الفرق بين الموت والوفاة وببيان عظيم وعجيب فيقول سبحانه (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) أي أن الله يستوفي عمل الأنفس ويوقف جريان القلم عليها عندما يقع عليها الموت وتفارقان النفس والروح الجسد ، (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) ويتوفى أيضاً تلك الأنفس التي لم تمت في منامها فيوقف جريان القلم عليها ويوفي مالها وما عليها من سيئات وحسنات ، (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ) أي يستبقي نفس الميّتِ فتفارق عندها روحه جسده تماماً ويتوقف جريان الدم في أعضاءه وتصبحُ وَفَاته لعمله نهائية وينقطع عمله ويتوقف تكليفه حتى قيام الساعة (وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى) وأما تلك النفس التي توفيت "نوما" وأرسل الله نفسا بمعنى أطلقها ولم يستبقيها فإنه يفيق من نومه وروحه لازالت في جسده أصلاً لم تغادرها فيعود القلم ليجري عليه بما يفعل ويعود عمله ليدون ويسجل وهكذا حتى يمسك الله نفسه في النوم أو يقبضها على أي حال أراد جلت قدرته (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فنحن مأمورون بتدبر هذه الدورة العجيبة والحالة الرهيبة لنعتبر وننظر كيف أن الله يعامل عباده بالعدل والقسط فيوقف القلم عن الجريان بالأعمال إن مات الإنسان أو نام فصار لا يملك ارتكاب سوء أو فعل خير.
نماذج من ذكر الموت والوفاة في الذكر الحكيم ونستعرض بعض الآيات القرآنية التي تذكر الموت والوفاة وكيف أن المعنى يتسق مع ما ذكرنا أو يخالفه لنتلمس أوجه المعاني المختلفة ونفهمها ونتدبرها كما أُمرناالله تعالى
[وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [البقرة:281] فالوفاء والاستيفاء هنا هو إتمام الثواب والجزاء لنفس الإنسان وما كسبه من خير أو اكتسبه من إثم بلا نقص أو تغيير ، وإذا أرجع الإنسان إلى الله بإمساك نفسه وبموته ونزع روحه من جسده فقد (توفي) بالمعنى الذي نتحدث عنه.
[فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [آل عمران:25] وهذه صورة مشابهة للاستيفاء والوفاء بالعمل وما كسبته الأنفس وهنا نكرر أن الوفاة والاستيفاء ارتبطت بالأنفس ولم يرد لها ارتباط بالروح لاختلاف الروح عن النفس.
[وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [آل عمران:161] وهنا يرتبط الوفاء والاستيفاء أيضاً بالنفس وبالحساب فالله يحاسب الأنفس بما توفيت عليه من عمل بلا زيادة ولا نقصان ، فلا يظلم الله نفساً فيخرج من سجلها عملاً أفضت إليه حال حياتها ولا يحملها وزر عمل تم بعد موتها ووفاتها.
[يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [النحل:111] فارتباط الأنفس بالوفاء والاستيفاء والعمل مشهور ومذكور في مواضع عديدة من كتاب الله وإذا ما تتبعنا واستقرأنا الآيات الكريمة بهذه الصورة فهذا يجلي الفهم عن كنه النفس والعمل والكسب والوفاة والاستيفاء ويحقق الترابط المعنوي الذي يثبت صحة التعريف مقارنة بالسياقات المذكورة.
ولم يشتهر أن ارتبطت الروح بالوفاة والاستيفاء كما ذكرنا ، ولم ترتبط الروح بالعمل والكسب في الدنيا لأن الروح لا تحاسب وانما النفس هي التي تحاسب.
وقد اختلف العلماء و المفكرون الاسلاميون حول معنى وفاة سيدنا عيسى عليه السلام وهل تعني موته نهائيا ؟ وهذا موضوع بحثنا في المقال المقبل إن شاء الله والله أعلى وأعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .